السياسة الجنائية بالمغرب بين التطور والثبات

القانون..

السياسة الجنائية بالمغرب بين التطور والثبات

بقلم: حمزة اشتوك طالب باحث في كلية الحقوق محمد الخامس بالسويسي بالرباط

لا يخفى على أحد على أن أي سياسة كيف ما كان نوعها لابد و و أن تكون ثمرة لسلسلة من الإصلاحات و التحيينات التي أدت إلى صدورها، بعد ما كانت خاضعة لإكراهات كان لها وصل وثيق بالوضعية الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية كذلك.

بيد أنه و في إطار سلسلة المستجدات التي أضحت تعرفها الساحة الجنائية بالمغرب ، بحيث تم اصدار عدة قوانين لها اتصال وثيق بالمجموعة الجنائية من قبيل قانون غسل الاموال علاوة على ذلك قانون التنظيم القضائي و ما له صلة بالمادة الجنائية إلى غيرها من المستجدات التي أطل بها المشرع من جديد على الترسانة التشريعية.

و في هذا الإطار، سعت الحكومة إلى ادراج إصلاح شامل جديد للعدالة و من بين الإصلاحات التي كان لها وقع على الحكومة وضع عرض حول السياسة الجنائية بين الاكراهات وواقع الحال.

و يرجع التأصيل النظري للسياسة الجنائية في المغرب إلى قانون المسطرة الجنائية سيما الفصل 51 منه و الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2003، غير أن صياغة هذا الفصل جاءت لتمنح اختصاص الاشراف على تنفيذ السياسة الجنائية بيد وزير العدل و الذي يبلغها إلى الوكلاء العامين للملك الذين يسهرون على تطيبقها.

بيد أن هذا الاختصاص لم يعد ممكنا لوزير العدل و الذي انتقل في إطار استقلالية النيابة العامة بتاريخ 10 اكتوبر 2017 إلى السيد وكيل العام للملك لدى محكمة النقض و الذي أصبح رئيسا لجهاز النيابة العامة و ذلك في إطار بلورة سلسلة من الاصلاحات الدستورية التي جاء بها دستور 2011 والذي يعد بحق دستور الحقوق والحريات العامة و المؤسسات الدستورية. 

و يرجع استعمال مصطلح السياسة الجنائية كذلك إلى المادة الثانية من قانون 33.17 و المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل على النيابة العامةإلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابةالعامة. 

و في ذات السياق،لم يعرف المشرع المغربي المقصود بالسياسة الجنائية و لا تحديد الجهة التي تقوم بوضعها مكتفيا بالإشارة إلى الجهة التي تقوم بلاشراف عليها، تاركا المجال للفقه و القضاء و المختصين لوضع تعاريف محددة و دقيقة.

و يقصد بالسياسة الجنائية كما جاء على لسان وزير العدل الحالي محمد بن عبد القادر " هي سياسة عمومية و لكن سياسة عمومية فريدة تهم الدولة بمختلف فاعليها و ذلك في مجال الإعداد أو التنفيد أو التقسييم، و الحكومة هي الفاعل الرئيسي في تنفيذ هذه السياسة ".

و بالتالي يتضح ، على أن السياسة الجنائية تروم في مجملها على وضع الدولة الخطة أو المنهج للحد من مختلف الوضعيات داخل الحقل الجنائى سواء تعلق الأمر بالعقوبات أم تعلق الأمر بالتدابير الوقائية إلى غيرها من الإجراءات الزجرية.

و تكمن غاية هذه السياسة في محاولة إعادة إعطاء مفهوم جديد لسياسة الجنائية و تشخيص المعالم الكبرى و الاختلالات التي تصطدم بالواقع و كذلك تصبوا هذه السياسة إلى وضع أسس استشرافية للمنظومة الجنائية ككل.

و هذه السياسة الجنائية تتخد منحيين اما أن تكون سياسة جنائية قطاعية _ هي التي يتم إعدادها من طرف الحكومة _ و يمكن أن تكون اوفقية و هي التي تعرف بالسياسة الوقائية " أي الوقاية من الجريمة من الاخطار التي قد تحدق بالمجتمع ".

كما ينبغي الاشارة إليه أن هذه السياسة جاءت في وقت اصبحت فيه المادة الجنائية تعرف تضخم في النصوص و زخف كبير من المواد الشيء الذي يكمن اعتباره بمثابة إكراه راهني تعتبر السياسة الجنائية أحد المدخلات المهمة لمقاومته.

زيادة على ذلك، يعتبر تضخم القضايا الزجرية أحد العوامل التي أدت إلى عدم فعالية العقوبات سيما المتعلقة منها بالمدد القصيرة، إذ أن المؤسسات السجنية اليوم أصبحت تحتضن سجناء لا يتجازون السنتين في العقوبة و هما ما يشكل نوع من التضخم في القضايا الزجرية كذلك.

من كل ما سبق، فإن تحديث السياسة الجنائية يتطلب التفكير في التدابير الوقائية كذلك التفكير في السجين و محاولة إيجاد حلول لإعادة إدماجه و تقويم سلوكه حتى يصبح مواطن يتحلى بضوابط الإستقامة التامة داخل المجتمع.

إن مراجعة السياسة الجنائية تتطلب أولا ملائمتها مع الأحكام الدستورية، إذ أن دستور 2011 جاء بمجموعة من الرهانات أهمها فصل السلط ، كذلك تفريد باب مخصص الحريات ، توسيع دستور 2011 للجرائم المرتكبة ضد حريات الأفراد من قبيل " الاختفاء القسري و الاعتداء التعسفي ... " 

إن السياسة الجنائية و بكل ما تحمله من إصلاحات واسعة إلا أنها ينبغي أن تتلائم مع المقتضيات الدستورية.

علاوة على ذلك تستوجب السياسية الجنائية انخراط التوجهات الملكية السامية في هذا الشأن ،إذ أن جلالة الملك أكد ما مرة على ضرورة تحديث منظومة العدالة و التي من بينها السياسة الجنائية.

زيادة على ذلك ، فإن انخراط المغرب و بإعتباره العضو النشيط داخل المجتمع الدولي ملزم بإحترام المقتضيات و الاتفاقيات الدولية التي تجرم غسل الأموال - الجريمة المنظمة - الهجرة غير الشرعية... إلى غيرها من الجرائم التي تستلزم من المغرب وضع حد لها و الوقوف على كل تطاول يمس مقتضيات الاتفاقيات الدولية.

ملاك القول، يتضح جليا أن إعداد السياسة الجنائية جاء نتيجة لعدة عوامل و إكراهات ناهيك على إعتبارها النفق الذي من خلاله تسعى الحكومة إلى تجاوز الاختلالات التي تعرفها المنظومة الجنائية ككل.